فاتح ماي 2026 مناسبة لتجديد المطالب الإجتماعية و القانونية و الانسانية للعمال و العاملات..


عزالدين زهير
يخلد المجتمع المدني المغربي على غرار باقي العالم ومعهم جمعية التحدي للمساواة والمواطنة فاتح ماي، العيد الأممي للشغل، لسنة 2026، في سياق وطني ودولي يتسم بتعاظم الرهانات المرتبطة بالعدالة الاجتماعية، واستدامة أنظمة الحماية الاجتماعية، وضمان شروط العمل اللائق، وتؤكد في هذا الإطار أن تحقيق المساواة الفعلية داخل سوق الشغل لا يمكن فصله عن معالجة الاختلالات البنيوية التي تطال النساء في علاقتها بالعمل، سواء داخل الفضاء الخاص أو العمومي.
كما تثير الجمعية الانتباه إلى استمرار تغييب العمل المنزلي غير المؤدى عنه، “شقا الدار”، من دوائر التثمين الاقتصادي والسياسات العمومية، رغم كونه يشكل ركيزة أساسية لاستمرار الحياة الاجتماعية وإعادة إنتاج القوة العاملة، حيث تتحمل النساء بشكل غير متكافئ أعباء الرعاية والأعمال المنزلية، وهو ما يكرس الفقر والهشاشة في صفوف النساء، ويحد من فرصهن في الولوج إلى الشغل، والتكوين، والمشاركة في الحياة العامة، وتعتبر الجمعية أن هذا الوضع يستدعي الادماج العاجل لإقتصاد الرعاية ضمن السياسات العمومية ، واعتماد ميزانيات فعلية مستجيبة للنوع الاجتماعي تعكس القيمة الحقيقية لهذا العمل.
كما تسجل الجمعية أن وضعية العاملات المنزليات بالمغرب ما تزال تعكس مظاهر متعددة من الهشاشة، رغم صدور قانون رقم 19.12 المتعلق بالعاملات والعمال المنزليين، حيث يطرح هذا القانون، تحديات حقيقية على مستوى المراقبة والتفعيل، خاصة بالنظر إلى خصوصية فضاء العمل داخل المنازل، وهو ما يحد من فعالية الحماية القانونية، ويجعل عددا من العاملات عرضة للاستغلال، وضعف الأجور، وانتهاك شروط العمل اللائق، وتؤكد الجمعية في هذا السياق ضرورة تعزيز دور مفتشية الشغل، وتبسيط مساطر التصريح، وضمان الولوج الفعلي إلى الحماية الاجتماعية، إلى جانب تطوير آليات المواكبة القانونية والاجتماعية لفائدة هذه الفئة.
كما تقف الجمعية بقلق بالغ على الظروف الخطيرة التي تعاني منها العاملات الزراعيات، في ظل استمرار مظاهر الهشاشة المرتبطة بظروف النقل غير الآمن، وضعف شروط العمل، وغياب الحماية الاجتماعية الكافية، إضافة إلى محدودية آليات المراقبة والتتبع داخل هذا القطاع، وهو ما يجعل هذه الفئة عرضة لمخاطر متعددة تمس سلامتهن الجسدية وكرامتهن الإنسانية، وتؤكد الجمعية أيضا أن حماية العاملات الزراعيات لم تعد خيارا، بل ضرورة مستعجلة تفرض تدخلا حازما من طرف مختلف المؤسسات المعنية، من خلال تشديد المراقبة، وتفعيل المقتضيات القانونية، وضمان شروط العمل اللائق، وتأمين وسائل نقل آمنة تحترم الكرامة الإنسانية.
و تشير أيضا ،أنه لا يزال التحرش الجنسي في الأوساط المهنية يشكل أحد أبرز مظاهر العنف القائم على النوع الاجتماعي داخل فضاءات العمل، حيث تتداخل فيه علاقات السلطة مع الهشاشة الاقتصادية، مما يجعل العديد من النساء في وضعية صمت قسري خوفا من فقدان العمل أو التعرض للوصم، ورغم تجريم هذا الفعل بموجب الترسانة القانونية الوطنية، فإن محدودية آليات التبليغ والحماية داخل المؤسسات، وصعوبة الإثبات، تظل من أبرز العوائق أمام تحقيق الانتصاف القضائي،
ويرتبط هذا الواقع أيضا بمقتضيات مدونة الشغل، التي تعتبر التحرش الجنسي الصادر عن المشغل او من ينوب عنه خطأ جسيما يخول للأجير او الأجيرة إنهاء عقد الشغل مع الاحتفاظ بالحقوق المرتبطة بالتعويض عن الفصل، كما تلزم المشغل بضمان شروط السلامة والكرامة داخل فضاء العمل، غير أن ضعف تفعيل هذه المقتضيات، وغياب آليات داخلية واضحة للتبليغ، يحد من فعاليتها العملية.
وهو ما يستدعي تعزيز التنسيق بين المقتضيات الجنائية والاجتماعية، وإرساء سياسات مؤسساتية داخل أماكن العمل تقوم على الوقاية، والحماية، وجبر الضرر، من خلال اعتماد مدونات سلوك، وآليات تبليغ آمنة، وضمان حماية الضحايا من كل أشكال الانتقام، بما يكرس بيئة مهنية قائمة على الكرامة والمساواة.
وانطلاقا من الترابط البنيوي بين هذه القضايا، تؤكد جمعية التحدي للمساواة والمواطنة أن تحقيق العمل اللائق للنساء يمر عبر مقاربة شاملة تدمج بين الاعتراف بالعمل غير المؤدى عنه، وضمان حقوق العاملات في القطاعات الهشة، ومكافحة جميع أشكال العنف والتمييز داخل فضاءات العمل، بما يعزز استقلالية النساء الاقتصادية، ويضمن كرامتهن، ويساهم في بناء نموذج تنموي وطني قائم على المساواة والعدالة.
ولا تنسى بهذه المناسبة التأكيد على الاهمية المحورية لتوفير خدمات الرعاية، وعلى راسها احداث دور الحضانة داخل اماكن العمل، باعتبارها الية اساسية لتمكين النساء من التوفيق بين مسؤولياتهن المهنية والاسرية، وتعزيز ولوجهن واستمرارهن في سوق الشغل في ظروف تحفظ الكرامة والاستقرار المهني.
كما يندرج هذا المطلب ضمن مقتضيات مدونة الشغل التي تنص على امكانية احداث فضاءات لرعاية اطفال المستخدمين داخل المؤسسات، غير أن عدم تفعيل هذه المقتضيات، سواء في القطاع الخاص او داخل بعض المرافق العمومية، يحد من فعاليتها، ويكرس استمرار العوائق التي تواجه النساء العاملات، خاصة في القطاعات التي تعرف هشاشة في شروط العمل.
ومن هذا المنطلق، تدعو الجمعية الى جعل احداث دور الحضانة داخل المؤسسات اجراء عمليا وملزما، سواء بالنسبة للمشغلين في القطاع الخاص او للإدارات العمومية، مع توفير شروط الجودة والسلامة، بما يضمن بيئة عمل دامجة تراعي احتياجات النساء، وتسهم في تعزيز مشاركتهن الاقتصادية، وتحقيق المساواة الفعلية داخل فضاءات العمل.
وإذ تجدد جمعية التحدي للمساواة والمواطنة التزامها بمواصلة العمل الترافعي والميداني في هذه القضايا، فإنها تدعو مختلف الفاعلين المؤسساتيين، والاقتصاديين، والمدنيين، إلى الانخراط في دينامية جماعية من أجل إصلاح السياسات العمومية ذات الصلة، وتعزيز آليات الحماية، وترسيخ ثقافة المساواة داخل المجتمع..






