أعمدة ضاد24الرئيسية

العقل العربي ومآلاته -1-

الشيخ سيدي عبدالغني العمري الحسني

الحمد لله الذي خلق فهدى، وجعل العقل سببا لمن اهتدى، فكان انتفاؤه خليقا بمن ضل وسلك سبل الردى؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد هادي العقل في ظلمات الحس والفكر بما يجعله يفوز بخيري الاعتبار، وعلم المنتهى والمبتدا؛ وعلى آله وصحبه، ومن لطريقه انتهج وبسنته اقتدى

في البداية لا بد أن نقرر أن العقل عام، لا يصلح فيه الكلام عن عقل عربي أو غيره، وإلا نُسبنا إلى “العنصرية” التي لا تمت إلى المنهج العلمي بصلة. غير أن ما أصاب العقل العربي الجمعي (الثقافة) من تشوهات، صارت مانعة للشعوب العربية عن إدراك ما هو من قبيل البداهة اليوم، جعلنا نتناول هذا الموضوع، ونخوض فيه غمار استكناه مبادئه ومآلاته، على ضوء ما هو مشترك عام؛ لعلنا نخطو خطوة في اتجاه الإصلاح المنشود، من غير الوقوع فيما يُحرف التوجه أو يناقض الغايات

إن الأحوال التي تعيشها العرب في هذه المرحلة الحرجة من تاريخهم، تدل على أن الخلل لديهم كبير، وأن الأزمة عميقة؛ لم يفد معهما ما قدمه المفكرون إلى الآن من دراسات، زُعم أنها تهدي إلى ما ينفع الناس، ويغير من حالهم. ولكننا عند رجوعنا إلى الواقع نستخبره، فإننا لا نكاد نجد لتلك الدراسات أثرا يُذكر؛ إلا ما كان حبيس قاعات الندوات والمحاضرات، وبين أعداد قليلة من المهتمين، تعجز أن تكون واسطة فعلا، بين المفكرين وعموم الناس. هذا على افتراض أن المفكرين، يقدمون في هذا المضمار، ما يُمكن أن يُعتدّ به؛ والحال أن الإنتاج الفكري العربي على ندرته، لا يعدو أن يكون ترديدا ورجع صدى، لفكر غربي أوروبي على التخصيص؛ بطريقة مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة، عندما تُراد مخالفة الفكر الغربي في بعض التفاصيل، مخالفةَ من لا يستطيع الانفكاك عن منطلقاته ولا عن آلياته

إن الواقع الذي نعيشه اليوم، يدل بوضوح على أن العرب لا عقل لهم، بالمعنى العام؛ لأن العقل النظري وحده، الذي يحوزه بعض الأفراد، لا يُمكن أن يُعتبر عقلا جمعيا لأمة ما، إلا إن صدّقه العقل العملي الجمعي لديها؛ وإلا كنا بإزاء ازدواجية العقل، كما هو الشأن حقيقة. وإن حالة الفُصام العقلية هذه، لا يمكن أن تُتناول بعيدا عن معرفة أصول العقل لدينا، من حيث هي خصوصية تميّزنا عن غيرنا؛ ولا بعيدا عن المؤثرات الخارجية التي دخلت علينا من أمم أخرى لأسباب معلومة تاريخيا وجغرافيا… لهذا، فإنه لن يكون من السهل الغوص في عمق هذه المسألة، ولا الخروج منها بما ينفع في تصحيح الأوضاع القائمة، والتي تبدو وكأنها قدر أبدي، لا تمكن زحزحته البتة…

لو عدنا إلى الواقع، فإننا سنجد المرجع في حياة الناس القوة (بمعناها المادي) لا العقل؛ وهذه القوة قد تكون متمثلة في نظام الحكم، كما قد تتجلى في أعراف المجتمعات وتقاليدها… بل عند التحقيق، سنجد قوة المجتمع في توجيه الأفراد، أشد من قوة الأنظمة الحاكمة، رغم ما هو سائد في هذا المضمار من اعتقاد. ولولا تلك القوة، ما استطاعت قوة الحكم ذاتها، أن تهيمن على مجتمعاتنا، إلى الحد الذي لا يقبله عقل ولا دين

إن مجتمعاتنا العربية في غالبيتها مسلمة؛ وإن الدين في أصله جاء ليرتقي بالإنسان من وهدة الحيوانية، إلى ذرى الربانية، التي هي الغاية العليا للعقل؛ لكننا نجد الأمر بعكس هذا في الأزمنة المتأخرة عندنا… ولقد تعجل كثير من الملاحظين في نسبة ما نعيشه من تخلف وانحطاط في زماننا إلى الدين -وهم محقون من دون شك، في الشق الذي نجد له رعاية من الفقهاء الذين باعوا آخرتهم بعرض من الدنيا- لكن الحقيقة هي أن الدين لا يؤتي أكله إلا إن استند إلى عقل سليم. فالعقل مقدم على الدين في الاعتبار؛ وإلا ما كان ليجعله الشارع شرطا في التكليف

فإن انضاف الدين إلى عقل مختل، فإن النتائج تكون كارثية. وما هذا الذي نراه من عنف غير مفهوم، أو من تخلف مقيم، إلا من توابع هذه الخلطة المدمرة. والذي نقصده نحن من سلامة العقل المشروطة في التدين، ليس هو ما يظنه بعض من لا علم لهم مِن تحكيم العقل على الدين؛ وإنما هو سلامة الانطلاق في التدين، مع الإبقاء على إمكان التوسع في المراحل التي تأتي بعد ذلك، بحسب الشروط. وهذا أمر غاب عن الفقهاء أنفسهم، في الوقت الذي كان ينبغي أن يحرصوا عليه، وأن يكونوا هادين إليه

وما العقل الفقهي في الحقيقة، إلا صنف واحد من أصناف العقول التي ينبغي علينا النظر فيها، إن كنا نريد إدراك الخارطة العقلية للمجتمعات العربية بصفة شاملة، إدراكا ينفع في الخروج بمستخلصات عملية، تساعد على الانعتاق مما نحن فيه. وهذا لا بد أن يأتي من الداخل لا من الخارج… ونعني بالخارج، الأمم الأخرى المخالفة، كما نعني من يتأثر بهم منا؛ فهذا لا ينفع في شيء!.. ولعلنا سنعرف أسباب ذلك كلما أوغلنا في هذه السلسلة… وأما الداخل، فنقصد به شرط الإحاطة بالخصوصيات، بعد تثبيت العموميات. وهذا لا بد فيه من تجرد عزيز الوجود، لا ينبغي أن ينفي الانتماء الضروري لتحقق الاطلاع على الأمور عن ذوق وتجربة، لا تصورا فحسب

ونحن في هذه المقالات، سنعمل إن شاء الله، على إضاءة بعض جوانب هذا الموضوع الخطير، لنتعرف أبعاده شيئا فشيئا؛ ونتبيّن مواضع الخلل منه في كل مرة، عسى أن نصل إلى ما يعيد أمتنا إلى واجهة التاريخ مجددا؛ خصوصا ونحن نعلم أن لها من الأهلية، ما لا يشاركها فيه غيرها من الأمم البتة…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى