الحركة الغيوانية

“هاجيلالة” … مطرب الحي لايطرب!

العربي رياض

كل عشاق الحركة الغيوانية يذكرون جيدا مجد المجموعة الرائعة ناس الغيوان، ويتذكرون تحديدا حضورهم القوي فوق الركح، وكيف كان المعلم المرحوم عبد الرحمان باكو يلهب حماسهم وهو يؤدي رقصته التي تجسد الطقوس الكناوية ومراحل ليلة الجدبة في دقائق، كما كان عبد الرحمان قبل الدخول في تفاصيل رقصته الجذابة يصيح وهو يلتفت للعربي وعلال وعمر : “هالغيوان”.

حكى لنا عبد الرحمان في السلسلة الحوارية التي أجريتها معه بمعية زميلي وصديقي الدكتور حسن حبيبي أن لتلك الصيحة ذكرى عزيزة على قلبه، فعبد الرحمان الذي كان قد انطلق مشوار فنه المجموعاتي مع المجموعة الرائدة جيل جيلالة، حيث سجل معها ألبومها الأول الذي يضم “الكلام المرصع” و “آه ياجيلالة” و “العار ابويا”، وبدأ معها تمارين الألبوم الثاني، إلا أن الظروف شاءت أن يغادر الفرقة في اتجاه ناس الغيوان، يقول باكو: “لقد علمت أن بوجميع لما رآني ضمن جيل جيلالة، أخبر عمر السيد وحتى أعضاء من جيل جيلالة، بأن مكان “هذا الولد” أي عبد الرحمان هو ناس الغيوان، ولأن بوجميع كان بالنسبة لي يمثل الموجة الحقيقي لهذا الغناء ككل، ولأنه فنان كبير كنت معجبا به، لم أتأخر في الاستجابة لطلبه وانضممت بدون مناقشة إلى ناس الغيوان. حتى أن خروجي من جيلالة لم يسبب أي حرج لزملائي بها، لأن جيلالة لها مدرستها الخاصة بها ولها نهج مستقل ورؤية فنية لن تكون فيها “تاكناويت” العنصر الأساس، على خلاف الغيوان، التي يؤمن أفرادها بطقوس الجدبة والحال… لما قدمت لناس الغيوان، أخذني بوجميع إلى منزل بمنطقة عين الذئاب، لم أكن ألتق أحدا مكثت هناك، يأتي بوجميع، وأحيانا عمر. كنا لانتكلم كثيرا، فقط كان بوجميع يأتي وينصت لعزفي وماأؤديه من أنغام وغناء، ولايبد أي ملاحظة، يكتفي بإطلاق “ضحكة” ويمر إلى الحديث في أمور أخرى، بعيدة عن الغناء لكن كلما قدم معه مثقف أو باحث أو إعلامي من أصدقائه، يطلب مني العزف وعندما أنتهي يقول لهم “هالغيوان”، كنت أبتهج كلما أطلق هذه العبارة، فأنا أعي جيدا ان بوجميع كان يريد أن يقول لأصدقائه بأن هذا هو النهج الذي ستذهب عليه الغيوان لأني كنت أعلم أنه هو والعربي “مجاديب” حقيقيين ويحبان آلة السنتير وقررا إعطائها ماتستحق في عالم الأغنية المغربية، ويرجع الفضل الكبير في إبراز هذه الآلة لهذا الثنائي وأيضا لعلال، الذي أعطاها مساحتها في العزف، لذلك كنت دائما أردد عبارة “هالغيوان” لأنها كانت بمثابة وسام لي من بوجميع مؤسس الحركة الغيوانية.”

المتتبع للمهرجانات المقامة تحت اسم الظاهرة الغيوانية بمختلف المدن المغربية، لابد وأن يخرج باستنتاج واحد ووحيد، وهو أن كل الفرق الشابة التي ظهرت أو تعاطت مع الأغنية المجموعاتية، تقلد أغاني مجموعات ناس الغيوان، والمشاهب “خصوصا” ولرصاد، لكن تكاد تنعدم أي مجموعة من المجموعات بإمكانها تقليد مجموعة جيل جيلالة لاأقول بأن ليست لها القدرة أولها القدرة على إعادة إحياء أغاني هذه المجموعة الكبيرة. ولكن فقط أقول بأن المجموعات الشابة، لم تقترب من جيلالة وأغانيها، والمغاربة يعلمون كم هي رائعة أغاني هذه الفرقة، التي ضمت خيرة الأصوات والعازفين والزجالين والباحثين في التراث كالحاج محمد الدرهم والمايسترو مولاي عبد العزيز الطاهري واحد من الأعلام التي أسست لأغاني ناس الغيوان إلى جانب بوجميع والعربي باطما.

وأوردت قصة عبد الرحمان باكو مع عبارة “هالغيوان” لأنتقل من الدارالبيضاء إلى مراكش لأقول “هاجيلالة”… في مطعم صغير تابع لأحد الفنادق بالمدينة الحمراء يرتكن فنانان عجيبان رائعان بدون ضجيج وبدون كثير كلام. وبدون أدنى ادعاء وبدون حتى مكبرات صوت يمسك سعيد العسري بآلته الوترية وعبد اللطيف الطاطي بآلة إيقاعه ويبحران في مختلف الأنغام مشرقية ومغربية لهما جمهورهما الخاص معظمه من الذواقين للفنون والعارفين بمفاصل العزف والفن. فهذا الجمهور لايقف مكتوف الأيدي. وإنما يعزف معهم ويغني ماستطاع بشكل جيد وسلس.

سعيد العسري والطاطي يدخلان في عوالم الأغنية المجموعاتية ويؤديان ريبيرطوار الغيوان والمشاهب لكن لاينسيان جيل جيلالة، وعندما ينطلقان في بحر أغانيها، فإنهما يغوصان بك في أعمالهما القوية والمركبة والتي أعتقد أن أفراد جيل جيلالة الآن سيستعصي عليهم إعادة إنشادها بفعل النسيان ليس إلا.

كلما مررت من مهرجان من مهرجانات مراكش، أجدني أعرج على هذا الثنائي الذي لاأجد له أثرا في تلك المهرجانات ولافي أية ملتقيات منظمة بمدينة “البهجة”، المبتهجة في وجه الجميع لكنها مكشرة في وجه أبناء دروبها. ألتقي هناك مع أصدقاء كثر ونمرح بالقول “هالمهرجان” فعلا هو المهرجان لاينتهي مع هذا الثنائي المحترف والمتمكن بعيدا عن المساومة واللغط. تنتصر فيه الانسيابية والعفوية مع احترام تام وصارم للفن والإبداع. والغريب أن المهرجانات المقامة بالمدينة لايبعد ركحها عن مكان تواجد سعيد العسري وعبد اللطيف الطاطي سوى خطوات، لكن المدبرين لهذه المهرجانات لها “بعد نظر” تشبه تلفزتنا التي تترك أخبارنا جانبا لنتحدث عن أخبار الباهاماس أو فولكلور منطقة “رونالب” أو أحداث جزر القمر…

شخصيا لاأستغرب “بعد النظر” هذا لدى البعض لكني أتساءل أين المؤسسات المعنية بالشأن الثقافي والفني. ألا تعلم بما يجود به محيط تواجدها؟.

مع الطاطي والعسري موروث أغاني المجموعات لن يموت خاصة الخزان الغنائي لجيل جيلالة وبالتالي لايسعني أن أقول “هاجيلالة” لكني أعلم جيدا أن بوجميع قد مات ولم يعد هناك بوجميع آخر ليقدم لنا أمثال عبد الرحمان أو أي مبدع آخر إلى حين ظهور أمثال بوجميع والعربي ومولاي عبد العزيز والدرهم والشريف… أربث على أكتاف سعيد وعبد اللطيف وأقول لهما إنكما فنانان كبيران لاتهتموا بمدبري المهرجانات والملتقيات الفنية فإن منطقهم يعتمد معايير أخرى بعيدة قليلا ما على الأوتار والمقامات عملا بالمقولة الشهيرة “مطرب الحي لايطرب”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق