حديث الصورة

لصوص سوق الدجايجية في فلسطين..

العربي رياض

انتهيت وزميلي الطيبي اهنودة من الاستطلاع واللقاءات الخاصة بمطار غزة الذي تم تشييده بإشراف المملكة المغربية ، حيث التقينا بشخصيات ومواطنين فلسطينيين عبروا عن سرورهم بتلك المبادرة من أشقائهم المغاربة وقد أفرد لنا وزير الطيران الفلسطيني حينذاك لقاءات متكررة ،رغم انشغالاته وتنقله بين غزة ورام الله ،كعربون ترحاب بضيوف قدموا من بعيد ..وقبل أن نغادر غزة قررت أنا والطيبي أن نقوم بجولة استجمامية نعيش من خلالها ما يعيشه إخوتنا هناك ، كان الكرم وفيرا من لدن أبناء غزة ، يتبادلون معنا النقاشات حول وضعنا العربي ، يعزموننا ،يفيدوننا بمعطيات غائبة عنا ، يعبرون عن حبهم لبلدنا ،يطلعوننا عن العادات والتقاليد الفلسطينية وكيف يرسخونها للأبناء حتى لا تطمس ،حدثونا عن فرحهم بمنتخبنا المغربي لسنة ستة وثمانين ، وكيف أصبح الزاكي والتيمومي وظلمي وبودربالة وسعيد عويطة مفخرة عند الشباب العاشق للرياضة ولا مجال له لممارستها بفعل الصراع مع الكيان الإسرائيلي .. شخصيات مغربية كثيرة كانت على طاولة حديثهم الحميمي معنا على رأسها الشهيد المهدي بنبركة وآيت يدر بنسعيد وعبد الرحيم بوعبيد والفقيه البصري واليوسفي والأموي ودور الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في تأطير فلسطينيين على العمل النقابي … وجدناهم يعرفون الكثير عنا رغم أنه في تلك الحقبة كانت وسائل التواصل محدودة ، ليس كما هي الآن ..كانت سعادتي كبيرة وأنا أنصت لحديثهم عن المغرب والمغاربة ، وكان اهنودة يدخل في سراديب النقاش ويستفز داكرتهم ليعرجوا من هذا الموضوع إلى ذاك وأخوكم مستمتع أيما متعة بالنقاش ..نصحنا أحد مستضيفنا بأن نقوم بجولة في أحد الأسواق إن كنا نريد شراء تدكار ما ..ودعناه وأخدنا مرافقنا المغربي إلى السوق ..اهنودة تجممعه بوالدي ووالدتي علاقة مودة خاصة حتى أنه كان يغادر الجريدة أحيانا ، ويقول لي أنا غادي نمشي نشم ريحة التراب أي أنه ذاهب إلى منزل والدي ليجالسه ويتناول معه الأكل البلدي ويستمتعا بنوسطالجيا الزمن الجميل ..بلغنا السوق فقال لي اهنودة لابد أن نشتري عبايا فلسطينية لأمي الحداوية وكوفية لبا الحاج في إشارة لوالدي..أخذنا نجوب المحلات ، فإذا برجل وقور يشير إلينا بأن نلج محله التجاري ،سألنا إن كنا مغاربة رحب بنا وطلب منا أن نقتني تدكارات من محله ، اخترنا بعض الأشياء وكلما سألناه عن الثمن يراوغنا ويدخل معنا في أحاديث مجانبة ، وكلما عاودنا سؤاله يجيبنا لما العجلة ؟ ويدخل في حديث آخر قبل أن يقدم لنا كؤوس القهوة والشاي وحلويات الشام وينطلق في مستملحات طريفة ممتعة ، بعد غوص طويل في الحديث ، سيقف علينا شاب وسيم سيسلم علينا ، وهو يحدق جيدا في وجوهنا ، بعد برهة سيتدخل صاحب المحل ويقول لنا هذا إبني وقد كنت أماطلكما منذ البداية إلى أن يحضر ،ليراكما فهو يعز المغرب والمغاربة وبمجرد ما رأيتكما بعثت في طلبه ، الشاب لكنته المغربية سلسة ،رحب بنا وعبر عن سروره أن يرى مغاربة في موطنه ..دخلنا معه في أجواء النكتة والطرفةالمغربية وحتى الغناء المغربي ..أعلمنا الشاب أنه كان طالبا في مدينة الرباط بمعية فلسطينيين آخرين بدعم من المرحوم الحسن الثاني ، وبأن له أصدقاء كثر في بلدنا وحكى لنا عن الكرم الذي عومل به من لدن المغاربة قبل أن يتوقف عند أغرب الأمور التي وقعت معه في سلسلة حياته بالمغرب ..قال الشاب لما كنت طالبا في الرباط كنا كلما أردنا شراءالملابس نقتنيها من محلات تجارية بذات المدينة وكانت بالنسبة لنا مكلفة إلى حد ما إلى أن سمعنا بسوق شعبي بادارالبيضاء يسمى سوق الدجايجية بالقرب من المدينة القديمة ، هذا السوق كان يعرض بعض ملابس في المستوى كسراويل الدجينز وأقمصة وغيرها بأثمنة مناسبة لنا ،اعتدنا على ارتياده في مجموعات ، لكن حدث ذات مرة أن ولجت السوق بدون رفقة ، ولما اقتنيت ما أردت قصدت الشارع باحثا عن طاكسي يقلني إلى محطة القطار لأعود للرباط قبل حلول الظلام ، سيباغثني ثلاثة لصوص شباب سيسلبون مني كل ما أحمل بزطامي نقودي وما كان بيدي من ملابس اقتنيتها ..جلست أرضا من هول الصدمة و الرعب إذ لأول مرة في حياتي أتعرض لهكذا موقف ..بعد استرجاع أنفاسي أخذت أتساءل ماذا أفعل فقد سرقوا بطاقة هويتي وكل وثائقي ناهيك عن المال الذي كان بحوزتي وأنا وسط مدينة غول لا أعرف أولها من آخرها وليست لي الجرأة أن أشرح للمارة ماجرى لي ليعينوني على الأقل على العودة إلى الرباط ..وأنا في فورة الحيرة والدوخان حتى وقف علي من جديد الثلاثة الذين سرقوني وأخذوا يسألوني ..خويا واش انت بالصح فلسطيني ؟ أجبتهم بالإيجاب والتأكيد أخد أحدهم يبكي معي والآخر يعتذر والثالث يعانقني ويطلب الصفح قبل أن يقول واخويا راه ملي لقينا ف البزطام لوراق ديالك وعرفناك فلسطيني حشمنا والله آخويا إلى حشمنا ..واأنت راه خاصنا حنا نعاونوك راه نتوما للي كدافعوا علينا ضد بني صهيون الله ينصركم ..دخلنا في موجة عناق ممزوجة بالدموع ..فرضوا علي عزومة لطيفة ..منحوني عناوين منازلهم في حالة ما إذا كنت في حاجة إليهم أو إذا أردت النزول عندهم ، إذا ما قدمت إلى الدارالبيضاء..اغرورقت عينا الشاب وهو يستعيد تفاصيل الحكاية لينظر إلينا بيقين واضح ويسترسل ..إذا كان من درس استفدته مما جرى لي هو أن المغاربة هم أكثر القلوب العربية التي احتضنت القضية

في الحقيقة شتان بين لصوص ولصوص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق